عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

27

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

مطيعون لسلطانهم ولا يرون الخروج عليهم كما تراه الخوارج والمعتزلة والروافض ، ويؤدون حقوقهم ويصبرون فيما لهم وعليهم ، ويفضلون أصحاب نبيهم وآله ويعرفون حقوقهم وينشرون مناقبهم وفضائلهم ، ويمسكون عما شجر بينهم تعظيما لهم ، ويرون الأسلم لدينهم ويقدمون أبا بكر - رضي اللّه عنه - في الإمامة والفضل ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم عليّا كرم اللّه وجوههم ، لا يميزون بينهم كالرافضة ، ولا ينكرون فضل عثمان وعلي كالمارقة ، يعترفون أنهم الخلفاء الراشدون والمهديون ، خير الخلق بعد النبيين والمرسلين ، ويرون الجمعة والجماعة خلف كل بر وفاجر ، والمسح على الخفين في السفر والحضر ، اقتداء بنبيهم - صلى اللّه عليه وسلم - . وصدقوا بخروج الدجال ونزول عيسى - عليه السلام - ومعراج النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في اليقظة والرؤيا حق ، والسحر وظهور الآيات وكرامات الأولياء حق ، وأن الدعاء حق ، وأن الصدقة عن الموتى والاستغفار ينفعهم بفضل اللّه ، وأن اللّه هو الرزاق حراما كان أو حلالا ، وأن اللّه هو المسعر ، وغلاء الأسعار ورخصها بيده ، والآجال مقدرة لا يموت ميت إلا بأجله ، قد سلموا لما ثبت من أخبار نبيهم إيمانا بلا تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل ، كقول النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - : « ينزل اللّه إلى سماء الدنيا » « 1 » وأن القلوب بيد اللّه يقلبها كيف يشاء . بلا كيف وكذلك بكل ما ثبت عن نبيهم قائلون ومسلمون لا يرون المراء والخصومات متبعون غير مبتدعين ، وأن اللّه سبحانه لم يزل موجودا بصفاته كلها ، كما لم تزل له ، وأن صفاته قائمة به لم تزل كذلك ولا يزال بلا نهاية ولا غاية . وأن ما سوى أسمائه وصفاته وأنواره وكلامه من الملك والملكوت والحروف محدث وكلها كانت بعد أن لم تكن بأوقات مختلفة ، محدثة على وفق الإرادة والحكمة البالغة الأزلية ، هذا الذي ذكرناه جملة من مذهب أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين الذين اتبعوهم بإحسان ، ومعتقد السلف الصالح ، وعلى هذا قد اندرج أئمة الهدى والعلماء الراسخون والمشايخ المعتبرون من أرباب الحقيقة ، ليقتدي به المريد الصادق والطالب الموافق ، ويجعله منار سبيله ، وواضح دليله ، محترزا من مذاهب أهل البدعة والأهواء المختلفة ، كما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - فيما أوصى : « فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة » « 2 » ففي

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب التوحيد ، باب قول اللّه تعالى : « يريدون أن يبدلوا كلام الله » حديث رقم ( 7494 ) ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه ، حديث رقم ( 168 - 758 ) ورواه غيرهما . ( 2 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ، ( 18 / 249 ) طبعة العراق . وأخرجه غيره .